eCommerce WordPress Themes

البحث عن جذور الإله الواحد | تفكيك نشأة التوحيد في مختبر الحضارات القديمة

يُقدّم الكاتب العراقي الكبير فالح مهدي في كتابه “البحث عن جذور الإله الواحد”، الصادر عن دار بيت الياسمين للنشر والتوزيع، مرافعة فكرية ودراسة أنثروبولوجية وتاريخية معقدة حول واحد من أكثر المفاهيم تأثيراً في مسيرة البشرية: مفهوم “الإله الواحد”.

يسعى مهدي من خلال هذا العمل إلى فك الرموز التاريخية التي أحاطت بنشوء التوحيد، متتبعاً خيوطه الأولى في الحضارات التي شهدت ولادة هذا الفكر وتطوره حتى وصل إلى صيغته في الأديان الإبراهيمية.


1. نقد التعميم: التوحيد كمنتج حضاري محلي

يبدأ فالح مهدي دراسته بالتحذير من “فخ التعميم” في تاريخ الأديان؛ موضحاً أن مفهوم الإله الواحد ليس فكرة فطرية سادت العالم بأسره منذ البداية. ويستدل على ذلك بحضارات كبرى مثل الصين، التي لم تعرف التوحيد بالمعنى الشرق أوسطي، والهند التي تباينت فيها المفاهيم الروحية.

يؤكد الكتاب أن بذور التوحيد نبتت بشكل أساسي في وادي النيل ووادي الرافدين، حيث توفرت الظروف الحضارية والسياسية والاجتماعية التي سمحت بنمو فكرة الإله المتعالي والواحد.


2. الديانة العبرية: حجر الزاوية في مسار التوحيد

تُعد الديانة العبرية محوراً رئيسياً في بحث مهدي؛ حيث يُفصل الكتاب كيف تطور الفكر التوحيدي العبراني، وكيف تحول من إطار محلي إلى حجر أساس قامت عليه المسيحية والإسلام لاحقاً. يناقش الكتاب التفاعلات الثقافية التي أدت إلى هذا التحول، وكيف أن الفكر الديني في الشرق الأوسط تأثر بعمق بهذه الجذور المشتركة.


3. الزيادة التحليلية: جدلية “تطور المقدس” والسياسة الحضارية

تتعمق رؤية فالح مهدي في كتاب “البحث عن جذور الإله الواحد” لتتجاوز فكرة السرد التاريخي نحو “أركيولوجيا الفكر الديني”؛ فهو يحلل عملية انتقال العقل البشري من التعددية الوثنية إلى الوحدانية المطلقة ليس كطفرة مفاجئة، بل كـ “عملية تراكمية” مرتبطة بتطور مفهوم السلطة المركزية في الدول القديمة. إن القيمة المضافة في هذا العمل تكمن في قدرة المؤلف على ربط “وحدة الإله” بـ “وحدة المركز السياسي” في حضارات العراق ومصر؛ حيث يحلل كيف أن تجميع القوى الأرضية تحت حكم ملك واحد انعكس في المخيال الديني بتجميع القوى السماوية تحت إرادة إله واحد.

في بيئة البحث التاريخي لعام 2026، تبرز أهمية الكتاب في قدرته على نقد “المركزية الدينية” عبر إعادة الاعتبار للتفاعلات الثقافية المتبادلة. يوضح مهدي أن الفكر التوحيدي العبراني لم يولد في فراغ، بل كان “نتاجاً هجيناً” تأثر بالأساطير الرافدينية والنظم الثيولوجية المصرية (خاصة تجربة أخناتون). يبرع الكاتب في شرح كيف أن “النص الديني” هو في جوهره نص ثقافي يعكس صراعات المكان والزمان؛ فالتوحيد في الشرق الأوسط كان وسيلة لتعريف الهوية القومية والتمايز عن الشعوب المجاورة، مما يحول “الإله الواحد” من مفهوم لاهوتي مجرد إلى مفهوم سوسيولوجي يعزز الانتماء والوحدة الاجتماعية.

علاوة على ذلك، يطرح العمل تساؤلاً حول “أثر الجغرافيا على المطلق”؛ فكيف ساهمت طبيعة الأنهار الكبرى في العراق ومصر في صياغة مفهوم الإله المهيمن والمنظم؟ يشرح مهدي ببراعة أن التوحيد هو “ثورة فكرية” قلبت موازين العلاقة بين الإنسان والكون، محولةً الإنسان من كائن يرضي آلهة متعددة ومتصارعة إلى كائن مسؤول أمام مرجعية أخلاقية واحدة. إن البحث عن جذور الإله الواحد هو مرافعة عن وحدة الجوهر الثقافي للشرق الأوسط، مستعرضاً كيف أن الأديان اللاحقة ليست سوى فصول في حكاية واحدة بدأت فوق طمي النيل وبين ضفاف دجلة والفرات، مما يجعل من إصدار بيت الياسمين مرجعاً لا غنى عنه لفهم التطور الأخلاقي والروحي للعالم الحديث بمداد من البحث الرصين والتحليل المتعمد والعميق.


4. إضافة تحليلية: الوعي التاريخي وحوار الحضارات

يبرز هذا المرجع كيف نجح فالح مهدي في تحويل “الدراسة الدينية” إلى جسر لفهم التداخل الحضاري. إن كتاب “البحث عن جذور الإله الواحد” يسلط الضوء على “اليقظة الوجدانية” التي تطلبتها صياغة المفاهيم الروحية الكبرى، حيث تبرز النصوص القديمة كشواهد على رحلة الإنسان نحو البحث عن المعنى.

يفتح هذا العمل آفاقاً للقارئ لاستيعاب أن التوحيد هو فعل “انتماء ثقافي” يربطنا بجذورنا العميقة في وادي الرافدين والنيل. إن دمج التحليل السياسي بالخلفية الدينية يجعل من الكتاب بوصلة لكل باحث يسعى لفهم أسرار الفكر الديني، مؤكداً أن المستقبل لا يمكن فهمه دون سبر أغوار الماضي الذي شكل هويتنا الروحية والحضارية.

لتصفح إصدارات بيت الياسمين يرجى زيارة صفحتنا الرئيسية

للتوصال مع صفحه بيت اليسمين

المراجعات

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يكتب مراجعة “البحث عن جذور الاله الواحد”

Your email address will not be published. Required fields are marked