eCommerce WordPress Themes

تُعد مجموعة “حبات الرمان” الصادرة عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع في عام 2026 واحدة من أبرز الأعمال السردية التي كتبتها سارة القصبي والتي تراهن على الصدق الفني في مواجهة الإبهار الزائف. يقدم هذا العمل عالماً سردياً كثيفاً يبنى على تفكيك التجربة النسائية بوصفها تجربة وجودية مُركّبة. إن هذا المقال يسلط الضوء على الأبعاد العميقة لهذا العمل الذي لا يمكن اختزاله في ثنائيات جاهزة من الألم أو الخلاص.

التوتر بين الامتلاء والتشظي

منذ اللحظة الأولى التي يطالع فيها القارئ العنوان، تطرح المجموعة نفسها كعمل قائم على التوتر الخلاق؛ ذلك التوتر الكائن بين الامتلاء والتشظي، وبين الترابط والانفصال. إن الحياة في هذه النصوص تظهر بوصفها وعداً دائماً، بينما يظل الفقد احتمالاً ملازماً لا ينفك عن الوجود.

الرمان في هذه المجموعة ليس مجرد رمز زخرفي عابر، بل هو بنية دلالية كاملة وشاملة. الثمرة الواحدة تضم عدداً لا يُحصى من الحبات، وكل حبة منها مغلقة على عالمها الخاص وأسرارها. ومع ذلك، لا يمكن فصل هذه الحبات عن القلب الكلي الذي تنتمي إليه وتستمد منه كيانها. هكذا تُبنى القصص في “حبات الرمان”: نصوص تبدو مستقلة، لكل منها لغتها ومناخها وشخصياتها، لكنها تتجاور لتكوّن نسيجاً واحداً مثقلاً بالأسرار والتجارب المتراكمة.

المرأة والجسد كأرشيف حي

تحتل المرأة موقعاً مركزياً في نصوص المجموعة، ولكن بعيداً عن الصور النمطية المعتادة. هي لا تظهر كأيقونة للمعاناة ولا كنموذج بطولي جاهز، بل ككائن يعيش داخل جسده بوعيه الكامل. تخوض المرأة عبر هذا الجسد صراعاتها اليومية مع المجتمع، والذاكرة، والسلطة، والزمن.

الجسد في “حبات الرمان” ليس مجرد خلفية محايدة تقع فيها الأحداث، بل هو أرشيف حيّ للتجربة الإنسانية. إنه يحمل آثار النزف، والانتظار، والخذلان، والاحتمال. هو جسد يُجبَر، بحكم طبيعته الوجودية، على النزف بوصفه شرطاً لاستمرار الحياة، ويُطالَب في الوقت ذاته بالصبر والتحمّل اللامتناهي.

تفكيك الرومانسية والأمومة

تتفكك في هذه المجموعة الصور الرومانسية التقليدية للأمومة والأنوثة، لتترك مكاناً لرؤية أكثر تعقيداً وصدقاً. الأمومة هنا ليست خلاصاً مضموناً أو طريقاً ممهداً بالورود، بل قد تكون عبئاً محتملاً، وحلماً مؤجلاً، وساحة صراع مريرة بين الرغبة الشخصية والفرض الاجتماعي.

أما الأنوثة، فهي ليست زينة لغوية أو مظهراً خارجياً، بل هي تجربة ثقيلة التكاليف الوجودية. تتطلب هذه الأنوثة صلابة خارجية تحمي وتخفي الداخل الهشّ، وهي هشاشة لا تعني الضعف، بل هي مصدر جمال وبقاء. تماماً كما في حبة الرمان التي تخفي خلف قشرتها الصلبة عالماً نابضاً بحبات يانعة ورقيقة.

اللغة والكثافة السردية

لغوياً، تميل نصوص “حبات الرمان” إلى الكثافة الشديدة والاقتصاد الواضح في الكلمات. تعتمد الكاتبة على التفاصيل الحسية الدقيقة التي تلامس الوجدان. اللغة هنا لا تسعى لتزيين الألم أو الهروب منه، بل تقترب منه بحذر شديد، كأنها تلامسه دون ادّعاء امتلاكه أو الإحاطة الكاملة به.

هذه التقنية الأسلوبية تمنح القصص صدقها الفني، وتضع القارئ في موقع الشاهد المشارك وليس مجرد مستهلك للنصوص. يصبح القارئ شريكاً في التأمل وليس مجرد متلقٍ لرسالة جاهزة أو وعظ مباشر.

الوحدة العضوية والرمزية المركزية

اختيار عنوان المجموعة مأخوذ من اسم قصة محورية داخلها، تُعدّ بمثابة العصب الرمزي للعمل كله. داخل هذه القصة تتكثف الرمزيات المتعلقة بالمرأة، وجسدها، ودورها، وتضحياتها الممتدة من الخاص إلى الجمعي. ومن هذه النقطة المركزية، تتفرع باقي النصوص كحبات تنبثق من قلب واحد، لكل منها مسارها المستقل، لكنها جميعاً مشدودة إلى مركز دلالي مشترك.

تتكرر في القصص محاولات التراصّ والالتفاف حول مفاهيم الحب والألفة والانتماء، كاستجابة إنسانية طبيعية لمخاطر التفكك. شخصيات المجموعة لا تبحث عن بطولات كبرى زئبقية، بل تبحث عن لحظات توازن مؤقت، وعن معنى قابل للاحتمال في ظل قسوة الواقع. يظل الفقد حاضراً كظلّ دائم، لا بوصفه حدثاً استثنائياً عابراً، بل كإمكانية كامنة في كل تجربة وفي كل علاقة إنسانية.

في الختام، تفتح “حبات الرمان” مساحة تأمل واسعة أمام القارئ، وتدعوه إلى النظر في ما اعتاد تجاهله: هشاشة الجسد، وثقل الذاكرة، وتعقيد التجربة الإنسانية حين تُروى من الداخل بكل صدق وعمق.

للتواصل مع الكاتبة سارة القصبي يرجى زيارة صفحتها على الفيس بوك

لتصفح إصدارات بيت الياسمين يرجى زيارة صفحتنا الرئيسية

لزيارة مدونة الكاتبة والاطلاع على أحدث كتباتها أضغط هنا

المراجعات

لا توجد مراجعات بعد.

كن أول من يكتب مراجعة “حبات الرمان: رحلة سردية في أرشيف الجسد والذاكرة النسائية”

Your email address will not be published. Required fields are marked